ابن كثير

225

البداية والنهاية

كما قدمناه عند هجرة الحبشة ، إلى قوله فقال أبو بكر : فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله . قالت والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين : " إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين : وهما الحرتان . فهاجر من هاجر قبل المدينة ، ورجع بعض من كان هاجر قبل الحبشة إلى المدينة ، وتجهز أبو بكر مهاجرا قبل المدينة . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي " فقال أبو بكر : وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي ؟ قال : نعم . فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه ، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر - وهو الخبط - ( 1 ) أربعة أشهر ، وذكر بعضهم أنه علفهما ستة أشهر . قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة : فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في حر ( 2 ) الظهيرة ، فقال قائل لأبي بكر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ مقبلا ] ( 3 ) متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها ، فقال أبو بكر : فداء له أبي وأمي ، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر . قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له ، فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أخرج من عندك " فقال أبو بكر : إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله . قال : فإنه قد أذن لي في الخروج . فقال أبو بكر : الصحبة بأبي أنت وأمي ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " نعم " ! قال أبو بكر : فخذ أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن ( 4 ) . قالت عائشة : فجهزناهما أحث الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب ، فلذلك سميت ذات النطاقين ( 5 ) . قالت ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور ، فمكثا ( 6 ) فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج ( 7 ) من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، لا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر

--> ( 1 ) كذا في الأصل ، وفي النهاية لابن الأثير : السمر بضم الميم ضرب من شجر الطلح ، وأما الخبط فهو ضرب الشجرة لتناثر ورقها . ( 2 ) في دلائل البيهقي : نحر الظهيرة : أي في أول وقت الحرارة ، وهي المهاجرة ، ويقال أول الزوال ، وهو أشد ما يكون من حر النهار ، والغالب في أيام الحر القيلولة فيها . ( 3 ) من البيهقي . ( 4 ) بالثمن : أي لا آخذها إلا بالثمن ، وفي رواية ابن إسحاق : لا أركب بعيرا ليس هو لي ، قال : فهو لك ، قال : لا ، ولكن بالثمن الذي ابتعته ، قال : أخذته بكذا وكذا ، قال : هو لك . وفي رواية الطبراني عن أسماء بنت أبي بكر : قال بثمنها . وقد تقدم عن الواقدي ان ثمنها ثمانمائة اشتراها من نعم بني قشير . فأخذ إحداهما وهي القصواء . وأخرج ابن حبان : أنها الجذعاء . ( 5 ) النطاق : كل شئ شددت به الوسط ، وسميت ذات النطاقين : لأنها كانت تجعل نطاقا على نطاق ، وقيل : كان لها نطاقان ، تلبس أحدهما ، وتحمل في الآخر الزاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الغار . ( 6 ) في البخاري والبيهقي : فكمنا . ( 7 ) يدلج : يخرج بالسحر ، يقال أدلج : إذا سار في أول الليل ، وأدلج : إذا سار في آخره .